أكد وزير المالية الكندي فرانسوا فيليب شامبين أن الحكومة الفيدرالية تستعد لتقديم أول ميزانية لها في عهد رئيس الوزراء مارك كارني خلال شهر أكتوبر/تشرين الأول المقبل، مشيراً إلى أن هذه الخطوة تمثل محطة مفصلية في مسار كندا الاقتصادي وسط ظروف عالمية متقلبة وتحديات داخلية متزايدة.
وفي مقابلة مع قناة CTV News بتاريخ 22 أغسطس/آب، أوضح شامبين أن الحكومة الليبرالية “عملت طوال الصيف” على إعداد ما وصفه بـ”خطة طموحة” للكنديين، مضيفاً أن الهدف الأساسي من الميزانية الجديدة هو إعادة التفكير في مستقبل كندا بما يتناسب مع القرن الحادي والعشرين، خصوصاً في وقتٍ يواصل فيه الجار الأمريكي، الحليف والشريك التجاري الأكبر، اتباع سياسة تجارية مختلفة تماماً.
إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي وضرورة التنويع
لفت وزير المالية إلى أن التحولات الجارية في بنية الاقتصاد العالمي، وما تشمله من تغييرات في سلاسل الإمداد وتطورات في أنظمة الرسوم الجمركية، تجعل من الضروري أن تعمل كندا على تنويع اقتصادها وتعزيز ما أسماه “اقتصاد كندي واحد”، في إشارة إلى ضرورة توحيد السياسات الاقتصادية وتوجيه الاستثمارات نحو مشاريع استراتيجية.
وقال شامبين: “إن واقع التعريفات الجمركية يتغير باستمرار، وبالتالي فإن عرض الميزانية في أكتوبر سيكون أكثر فائدة، لأنه يمنحنا وقتاً كافياً للوصول إلى مستوى أكبر من اليقين، وبذلك نقدم للكنديين صورة أوضح وأدق لما ينتظرهم”.
جدل حول تأجيل الميزانية: من “بيان اقتصادي” إلى “خطة كاملة”
كان شامبين قد صرّح في منتصف مايو/أيار بأن الحكومة لن تقدم ميزانية كاملة هذا العام، بل ستكتفي ببيان اقتصادي في الخريف. غير أن رئيس الوزراء مارك كارني قلب المعادلة بعد أيام قليلة، وأعلن أن حكومته ستقدّم ميزانية شاملة، وذلك استجابةً للانتقادات الحادة التي وجهتها أحزاب المعارضة، إضافةً إلى القلق المتزايد في الأوساط المالية من حجم العجز والإنفاق الحكومي المتسارع.
معارضة قوية من بواليفير
زعيم حزب المحافظين بيير بواليفير اعتبر قرار الحكومة بعدم تقديم ميزانية ربيعية أمراً “غير مقبول”، متهماً الليبراليين بالتخلي عن مسؤولياتهم في وقت تعاني فيه الأسر الكندية من ارتفاع تكاليف المعيشة وتواجه الشركات أعباء الرسوم الجمركية الأمريكية.
وقال بواليفير في بيان بتاريخ 14 مايو: “بعد أشهر من الوعود والحديث عن قيادة جادة، خرج كارني ليعلن أنه لن يحقق شيئاً، وهو أمر يشكل خيانة للعمال والأسر في كل أنحاء البلاد”، مضيفاً أن غياب الميزانية في الربيع يفاقم حالة الغموض في ظل “تهديدات اقتصادية خطيرة” تواجه البلاد.
وقدّم المحافظون اقتراحاً في مجلس العموم يلزم الحكومة بإصدار ميزانية قبل الصيف، لكن الاقتراح سقط بعدما صوّت الحزب الديمقراطي الجديد والليبراليون ضده في 10 يونيو، على الرغم من أن أغلبية الأعضاء كانوا قد صوّتوا قبل أسبوع واحد فقط لصالح تقديم ميزانية ربيعية.
كارني يدافع عن قرار التأجيل
في مواجهة هذه الانتقادات، دافع مارك كارني عن قراره بتأجيل تقديم الميزانية، مشيراً إلى أن قصر جلسة البرلمان وتعيين حكومة جديدة مؤخراً لا يسمحان بالاستعجال في هذه العملية.
وفي مؤتمر صحفي بروما يوم 18 مايو/أيار، قال: “سوف نحصل في الخريف على ميزانية أكثر شمولاً وفعالية وطموحاً وحكمة، ولن يكون من المنطقي طرح خطة مالية قبل إجراء مناقشات معمقة مع الولايات المتحدة بشأن شراكتنا الاقتصادية”، مؤكداً أن حكومته تريد “قدراً أكبر من الوضوح” قبل المضي قدماً، خصوصاً أن قمة الناتو في يونيو كان لها أثر مالي مباشر على التزامات كندا الدفاعية.
الالتزامات الدفاعية وتأثيرها على الميزانية
تجدر الإشارة إلى أن الحكومة السابقة برئاسة جاستن ترودو كانت قد التزمت بتحقيق هدف الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2032، بينما تعهد كارني خلال حملته على زعامة الحزب الليبرالي في فبراير بتحقيق الهدف ذاته بحلول 2030، أي قبل عامين من الموعد المحدد.
كما أوضح رئيس الوزراء أن حكومته تدرس سبل خفض الإنفاق لضمان توازن أكبر، مؤكداً أن خبرته السابقة كمحافظ لبنك كندا وبنك إنجلترا، ورئيس تنفيذي في القطاع المالي، تمنحه رؤية أعمق في كيفية صياغة ميزانية “متوازنة بين الطموح والواقعية”.
أولويات الحكومة: بناء “اقتصاد كندي واحد”
أكد كارني أن الميزانية ستضع في صدارة أولوياتها تمرير تشريعات تؤسس لما أسماه “اقتصاد كندي واحد”، إلى جانب إطلاق مشاريع قومية كبرى تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المالي للبلاد.
الاستشارات الوطنية قبل الميزانية
في خطوة لافتة، أطلق شامبين منتصف يوليو/تموز سلسلة مشاورات مع الكنديين حول شكل الميزانية المقبلة، داعياً المواطنين إلى تقديم أفكارهم بشأن الإنفاق الدفاعي وطرق تعزيز الاقتصاد في ظل الحرب التجارية المستمرة مع الولايات المتحدة.
وقال في مقطع فيديو نشره على منصة X: “نود أن نسمع منكم. أفكاركم مهمة وستساعدنا على توجيه الخيارات التي نحتاج إليها كأمة”، مشيراً إلى أن فريقاً حكومياً يضم وزير الدولة لشؤون الإيرادات والمؤسسات المالية واين لونغ، والأمين البرلماني ريان تورنبول، سيقوم بجولات ولقاءات مع المواطنين في مختلف أنحاء البلاد لمناقشة القضايا الجوهرية.
وبحسب بيان رسمي صدر في 14 يوليو/تموز، فإن المشاورات ستستمر حتى 28 أغسطس، وتركّز على خفض التكاليف المعيشية، وخلق وظائف جديدة، وتسريع بناء المنازل، وتعزيز القدرة الدفاعية الصناعية الكندية. كما أُتيح للكنديين إرسال مقترحات مكتوبة أو المشاركة في استبيانات إلكترونية متعددة الاختيارات لتقديم رؤيتهم.
🔹 باختصار، فإن ميزانية أكتوبر لا تبدو مجرد خطة مالية تقليدية، بل وثيقة سياسية واقتصادية كبرى ستعكس التوجهات الأساسية لحكومة كارني في السنوات المقبلة، وسط مزيج معقد من الضغوط الداخلية والتحديات الخارجية، وعلى رأسها الحرب التجارية مع الولايات المتحدة والتزامات كندا الدفاعية تجاه حلف الناتو.
ماري جندي




