شهدت كندا في شهر أغسطس/آب ارتفاعًا طفيفًا في معدل التضخم، وهو ارتفاع جاء أقل بقليل من توقعات بعض خبراء الاقتصاد، لكنه في الوقت ذاته يضع بنك كندا أمام اختبار جديد مع اقتراب موعد قراره بشأن أسعار الفائدة يوم الأربعاء.
فبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء الكندية يوم الثلاثاء، بلغ معدل التضخم – الذي يُقاس عبر مؤشر أسعار المستهلك – 1.9% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. وبذلك يكون التضخم قد سجل زيادة واضحة عن شهر يوليو/تموز الذي بلغ فيه 1.7%، لكنه لم يصل إلى مستوى 2% الذي توقعه معظم المحللين.
هذا المؤشر – أي تضخم أسعار المستهلك – يعد من الأدوات الأكثر أهمية لصناع القرار، حيث يعكس حجم الضغوط السعرية التي يواجهها المستهلكون في حياتهم اليومية. ومن خلاله، يستطيع الاقتصاديون والبنوك المركزية مثل بنك كندا استشراف اتجاهات الاقتصاد واتخاذ قرارات حاسمة بشأن السياسات النقدية.
تأثير الرسوم الجمركية والسياسات المحلية
تشير التحليلات إلى أن السياسات المتعلقة بالتعريفات الجمركية لعبت دورًا مباشرًا في زيادة تكاليف بعض السلع والخدمات، الأمر الذي انعكس تدريجيًا على المعدلات العامة للتضخم.
ويقول شانون تيريل، خبير التمويل الشخصي في شركة NerdWallet Canada، في بيان له:
“التضخم يعود للارتفاع بشكل حاد لعدة أسباب. إذا دققنا في أسعار الوقود – التي تراجعت نتيجة إلغاء ضريبة الكربون – سنجد أن الصورة أوضح: هناك تضخم عنيد ومستمر، يتفاقم أكثر مما كنا نأمل”.
الغذاء في صدارة الضغوط
لا تزال أسعار المواد الغذائية أحد أبرز العوامل الضاغطة على جيوب الكنديين. فقد سجلت أسعار لحوم البقر ارتفاعًا سنويًا تجاوز 12%، وهو ما يجعل شراء هذه المنتجات أكثر صعوبة بالنسبة لكثير من الأسر.
لكن على الرغم من ذلك، يرى بعض الخبراء أن تباطؤ سوق العمل قد يدفع بنك كندا نحو خفض أسعار الفائدة في قراره المرتقب، غير أن هذا الإجراء – حتى إن تحقق – لن ينعكس سريعًا على أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية مثل مشتريات البقالة.
البنزين بين الصعود والهبوط
أما أسعار الطاقة، وتحديدًا البنزين، فقد كانت العامل الأكثر بروزًا في رفع معدل التضخم الإجمالي في أغسطس مقارنة بشهر يوليو. فقد سجلت أسعار البنزين زيادة شهرية نسبتها 1.4%، وفقًا لهيئة الإحصاء الكندية.
لكن عند المقارنة على أساس سنوي، يظهر الاتجاه مختلفًا: إذ انخفضت أسعار البنزين بنسبة 12.7% مقارنة بشهر أغسطس 2024، وهو انخفاض أقل حدة من التراجع الكبير الذي سجله يوليو الماضي بنسبة 16.1%.
هذه التحركات تعكس الطبيعة المتقلبة لأسعار الطاقة التي ترتبط بمجموعة واسعة من العوامل، بدءًا من العرض والطلب العالمي على النفط الخام، وصولاً إلى التطورات الاقتصادية والجيوسياسية. كما أن إلغاء ضريبة الكربون على المستهلكين في أبريل/نيسان لعب دورًا إضافيًا في خفض الأسعار خلال الأشهر الماضية.
تباين في أسعار المواد الغذائية الطازجة
في الوقت نفسه، ساهمت بعض العوامل الإيجابية في تخفيف حدة الارتفاع العام. فقد انخفضت أسعار الفواكه الطازجة بنسبة 1.1% مقارنة بشهر أغسطس من العام الماضي، وذلك بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة 3.9% في يوليو. وشملت الانخفاضات بشكل خاص أسعار العنب والتوت والكرز وأنواع أخرى من الفواكه الموسمية.
أما أسعار اللحوم بشكل عام، فقد ارتفعت بنسبة 7.2% مقارنة بأغسطس 2024، مما جعلها من أبرز المساهمين في تضخم أسعار الغذاء.
التضخم ضمن النطاق المستهدف
في المحصلة، تبقى قراءة التضخم عند 1.9% ضمن النطاق الذي يستهدفه بنك كندا – أي بين 1% و3% – وهو ما يمنح البنك مساحة للمناورة في قراره المقبل. لكن السؤال الأبرز الذي يطرحه المحللون الآن:
هل سيُقدم البنك على خفض أسعار الفائدة استجابةً لتباطؤ سوق العمل وتخفيف الضغوط عن الأسر، أم سيُبقي على الحذر في ظل استمرار الضغوط السعرية على الوقود والمواد الغذائية؟
ماري جندي




