بالرغم من الضبابية الاقتصادية التي تخيّم على أفق أونتاريو، ووسط تصاعد التحديات المرتبطة بالرسوم الجمركية المفروضة من قبل الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب، تستعد حكومة المقاطعة بقيادة دوج فورد للكشف عن ميزانية عام 2025، ضمن ما يُتوقع أن يكون خطة مالية محورية لمستقبل المقاطعة خلال العام المقبل ومطلع عام 2026.
فورد يعد بـ “ميزانية جيدة” رغم الضغوط
في مؤتمر صحفي عُقد يوم الأربعاء خلال زيارته إلى مانيتوبا، عبّر رئيس الوزراء دوج فورد عن ثقته بأن الميزانية الجديدة ستكون “جيدة”، مشيراً إلى أنها ستركز على إعادة بناء المقاطعة، وتعزيز القدرة التنافسية، وخلق وظائف وفرص عمل جديدة، إلى جانب دعم العائلات والشركات التي تعاني من آثار الظروف الاقتصادية العالمية والرسوم الجمركية.
قال فورد: “الأمر يتعلق بإعادة الأموال إلى جيوب الناس، وتقديم الدعم اللازم للشركات خلال هذه الأوقات العصيبة. نعم، نحن نواجه تحديات، لكننا لن نلجأ إلى التخفيضات العشوائية أو التقليص المؤلم كما تفعل بعض الحكومات. هذا ليس نهجنا ولن يكون”.
توقعات مالية وتعديلات اضطرارية بفعل الرسوم الجمركية
البيان الاقتصادي الصادر في خريف 2024 أشار إلى انخفاض متوقع في عجز الموازنة إلى 1.5 مليار دولار للسنة المالية 2025-2026، مع احتمال تسجيل فائض يُقدّر بـ900 مليون دولار في العام التالي. ومع ذلك، لم يمر هذا التفاؤل المالي دون عراقيل، إذ أكد فورد أن الرسوم الأميركية المفروضة على صادرات أونتاريو دفعت حكومته إلى إعادة النظر في أولويات الإنفاق، واضطرت إلى تركيز أكبر على مشاريع البنية التحتية الحيوية.
إجراءات بارزة قبل يوم الميزانية
وقبل الكشف الكامل عن بنود الموازنة، أطلقت حكومة فورد مجموعة من الإجراءات المحفزة التي تمهد لما يتوقع أن يتضمنه الإعلان الرسمي، وتشمل:
إلغاء دائم للرسوم على الجزء الشرقي من الطريق السريع 407.
تمديد خفض ضريبة الغاز.
توسيع نطاق الائتمان الضريبي للمصانع والشركات.
السماح بتأجيل دفع بعض الضرائب لمدة ستة أشهر، بقيمة إجمالية تصل إلى 9 مليارات دولار.
إصدار تخفيضات للشركات ذات السجلات الممتازة في السلامة المهنية عبر مجلس السلامة والتأمين.
تمويل إضافي للرعاية الصحية الأولية، وتوسيع إنشاء “عيادات تعليمية” لخدمة المجتمعات.
لكن هل كل هذه الإجراءات كافية؟
وفقًا لمصادر خاصة لراديو 680 نيوز في تورنتو، قد تشمل الميزانية أيضاً تدابير غير إنفاقية مثيرة للجدل، من بينها إزالة المزيد من مسارات الدراجات في تورنتو، وهي خطوة قد تثير اعتراضات من المدافعين عن البيئة والنقل المستدام.
تقرير مالي يكشف التأثير الحقيقي للرسوم الأميركية
في تقرير صدر مؤخرًا عن مكتب المساءلة المالية في أونتاريو، تم التحذير من التأثير المباشر للرسوم الجمركية الأميركية على اقتصاد المقاطعة، حيث من المتوقع أن تؤدي هذه السياسات إلى تراجع النمو الحقيقي للناتج المحلي من 1.7% إلى 0.6%، ما يعني عمليًا دخول أونتاريو في ركود اقتصادي معتدل خلال عام 2025. كما قد تُفقد المقاطعة أكثر من 68 ألف وظيفة بسبب هذا الانكماش المتوقع.
غرفة التجارة: نريد بيئة أكثر تنافسية
من جانبه، دعا دانييل تيش، الرئيس التنفيذي لغرفة التجارة في أونتاريو، إلى ميزانية تعزز التنافسية وتوفر دعماً ملموساً للموارد البشرية والتدريب المهني. وقال في تصريح لصحيفة “سيتي نيوز”: “الاقتصاد بحاجة إلى استثمارات استراتيجية، وإجراءات واضحة تجعل أونتاريو بيئة جاذبة للأعمال”.
المعارضة: اختبار حقيقي لحكومة فورد
من جانبها، ترى أحزاب المعارضة أن الميزانية القادمة ستكون بمثابة اختبار حاسم لحكومة المحافظين التقدميين، إذ ستُظهر ما إذا كانت الأولويات تصب فعلاً في صالح المواطنين، أم في مشاريع يُنظر إليها على أنها “غرورية”.
زعيمة الحزب الديمقراطي الجديد في أونتاريو، ماريت ستايلز، لم تُخفِ شكوكها، مشيرة إلى مخاوف من أن تتجه الحكومة نحو تمويل مشاريع مكلفة مثل النفق تحت الطريق السريع 401 أو إعادة تطوير منتجع أونتاريو بليس، بدلًا من التركيز على بناء المستشفيات، وتحسين خدمات النقل، وخلق وظائف في قطاع الصحة والبنية التحتية.
وتابعت: “نريد أن نرى خططًا لبناء سلاسل توريد محلية، وحماية أونتاريو من تقلبات الرسوم الجمركية. سكان المقاطعة بحاجة إلى رعاية صحية أفضل، ومدارس قوية، ونظام تعليم عالي متين. هذه الفرصة موجودة، لكنّها تتطلب من الحكومة إعادة النظر في أولوياتها والعودة إلى الاستثمار في البنية التحتية الاجتماعية”.
الليبراليون: تخفيضات للطبقة المتوسطة وتحفيز الإسكان
زعيمة الحزب الليبرالي، بوني كرومبي، شددت على ضرورة تقديم تخفيضات ضريبية للطبقة المتوسطة والشركات الصغيرة، إلى جانب تخفيضات على التدفئة المنزلية وزيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم. وقالت: “الناس يعانون. البطالة تزداد في بعض القطاعات، والقلق يتصاعد. لذلك، فإن ضخ المزيد من الأموال في جيوب الناس هو أمر ضروري في هذه المرحلة”.
الخضر: لا لمشاريع البنية التحتية المكلفة.. نعم للطاقة المتجددة والسكن الميسور
أما زعيم حزب الخضر، مايك شراينر، فقد دعا إلى التركيز على حلول واقعية وبأسعار معقولة لأزمة النقل، مثل فرض رسوم على الشاحنات لاستخدام الطريق السريع 407 بدلاً من إنفاق “مئات المليارات على نفق ضخم وغير ضروري”، على حد تعبيره. كما دعا إلى استثمارات في الطاقة المتجددة المنتجة محليًا، والرعاية الصحية، والتعليم، والإسكان الميسور.
لحظة الحسم تقترب
ميزانية هذا العام تحمل أهمية خاصة، إذ تأتي بعد أشهر قليلة من دعوة فورد لانتخابات مبكرة تمخضت عن فوز ساحق لحزبه المحافظ التقدمي للمرة الثالثة على التوالي. ومع إعلان وزير المالية بيتر بيثلينفالفي المنتظر في كوينز بارك بعد الساعة الرابعة مساءً يوم الخميس، تتجه الأنظار إلى كل بند في هذه الميزانية، التي ستكون بلا شك علامة فارقة في مستقبل أونتاريو السياسي والاقتصادي في ظل تحديات داخلية وخارجية متصاعدة.
ماري جندي




