في الآونة الأخيرة، شهد العالم سلسلة من الحوادث الجوية التي أعادت إلى الأذهان المخاوف القديمة بشأن سلامة السفر الجوي. تكرار هذه الحوادث، بعضها مميت والآخر كاد أن يتحول إلى كارثة، أثار تساؤلات بين المسافرين والخبراء حول مدى أمان الطيران في الوقت الحالي.
حوادث مقلقة تهز قطاع الطيران
خلال الأسابيع القليلة الماضية، وقعت حوادث متتالية تسببت في حالة من الذعر بين الركاب والمتابعين لقطاع الطيران. أبرز هذه الحوادث كان حادث التصادم الجوي الذي أودى بحياة 67 شخصًا بالقرب من واشنطن، وتحطم طائرة في فيلادلفيا، بالإضافة إلى اختفاء طائرة صغيرة في ألاسكا.
ولم تتوقف الحوادث عند هذا الحد، حيث شهد الأسبوع الماضي اصطدام طائرة تابعة للخطوط الجوية اليابانية بطائرة أخرى تابعة لشركة “دلتا” كانت متوقفة في مطار سياتل، بينما اشتعلت النيران في محرك طائرة تابعة لشركة “يونايتد إيرلاينز” أثناء إقلاعها من مطار هيوستن، مما أدى إلى اندلاع حريق في الجناح.
الحوادث الأمنية تزيد من القلق
إلى جانب هذه الكوارث، برزت مخاوف أمنية إضافية بعدما تم العثور على جثث متسللين في أماكن غير متوقعة داخل الطائرات، تحديدًا في حُفر عجلات طائرتين مختلفتين، بينما حاول أحد الركاب فتح باب الطوارئ أثناء استعداد طائرته للإقلاع في بوسطن، مما كاد أن يتسبب في كارثة جوية.
مع هذه الحوادث المتكررة، من الطبيعي أن يتساءل كثيرون: هل السفر الجوي لا يزال آمنًا؟
أبرز الحوادث الأخيرة وتحليلها
حادث واشنطن: في 29 يناير، وقع تصادم مأساوي بين طائرة ركاب تابعة لشركة “أمريكان إيرلاينز” ومروحية عسكرية، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متن الطائرتين. هذه الكارثة كانت الأشد دموية في الولايات المتحدة منذ نوفمبر 2001، حين تحطمت طائرة ركاب فوق حي سكني في نيويورك، ما أسفر عن مقتل 260 شخصًا كانوا على متنها وخمسة أشخاص على الأرض.
حادث ألاسكا: تحطمت طائرة سيسنا صغيرة ذات محرك واحد في 1 فبراير، ما أسفر عن مقتل عشرة أشخاص، من بينهم الطيار. تعد هذه الحوادث أكثر شيوعًا بين الطائرات الصغيرة، حيث تكون عرضة لعوامل الطقس والأخطاء التقنية بدرجة أكبر من الطائرات التجارية الكبرى.
حادث فيلادلفيا: في 31 يناير، تحطمت طائرة نقل طبي كانت تقل ستة أشخاص، ما أدى إلى مقتلهم جميعًا، بالإضافة إلى شخص آخر كان على الأرض. تسبب الحادث في اندلاع كرة نارية ضخمة نتيجة الاصطدام، مما زاد من حجم الأضرار.
هل هناك سبب للقلق؟
على الرغم من خطورة هذه الحوادث، إلا أن السفر الجوي لا يزال واحدًا من أكثر وسائل النقل أمانًا في العالم. جزء كبير من الاهتمام الذي تثيره مثل هذه الحوادث يعود إلى ندرتها، فخلال العقد الماضي، كان سجل شركات الطيران الأمريكية من بين الأفضل عالميًا من حيث السلامة، حيث لم تسجل أي حادثة تحطم مميتة لطائرة ركاب أمريكية منذ فبراير 2009.
ومع ذلك، شهدت مناطق أخرى من العالم حوادث مميتة، مثل الحادث الذي وقع في كوريا الجنوبية في ديسمبر الماضي وأودى بحياة جميع ركاب الطائرة البالغ عددهم 179 شخصًا. كما أن كارثتي تحطم طائرتي “بوينج 737 ماكس” في عامي 2018 و2019، والخلل الخطير الذي أدى إلى انفجار سدادة باب طائرة من نفس الطراز خلال رحلة جوية في يناير الماضي، كلها أحداث زادت من المخاوف بشأن مستوى الأمان في الطائرات الحديثة.
التحديات التي تواجه قطاع الطيران
يرى خبراء الطيران أن أحد الأسباب الرئيسية وراء ارتفاع عدد الحوادث يعود إلى الضغوط المتزايدة على أنظمة مراقبة الحركة الجوية. فقد حذر المسؤولون الفيدراليون من أن النظام يعاني من نقص حاد في الموظفين، مما يزيد من المخاطر التشغيلية.
تشمل المشكلات التي تواجه مراقبة الحركة الجوية:
الأجور غير التنافسية التي تجعل من الصعب جذب مواهب جديدة إلى المجال.
نوبات العمل الطويلة التي تؤدي إلى الإرهاق بين المراقبين الجويين.
التدريب المكثف الذي يستغرق سنوات، مما يجعل تعويض النقص في الكوادر أمرًا بطيئًا.
التقاعد الإجباري الذي يسرّع من فقدان الخبرات المخضرمة في المجال.
وقد زاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب من حدة هذه المخاوف مؤخرًا عندما صرح بأن نظام مراقبة الحركة الجوية الحالي في الولايات المتحدة “عفا عليه الزمن” ويجب استبداله بأسرع وقت ممكن لضمان سلامة المسافرين.
إجراءات السلامة قيد التنفيذ
بعد سلسلة الحوادث الأخيرة، بدأت إدارة الطيران الفيدرالية (FAA) ومجلس سلامة النقل الوطني (NTSB) في إجراء تحقيقات معمقة لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء هذه الكوارث والسعي لمنع تكرارها.
وعلى الرغم من أن بعض التفاصيل المثيرة للقلق بدأت تتكشف حول حادث التصادم الجوي، إلا أن التقرير الكامل عن الحادث سيستغرق أكثر من عام ليكتمل.
ولكن، هل يتم تطبيق التوصيات؟
عادةً ما تصدر هيئة سلامة النقل توصيات لمنع وقوع حوادث مشابهة في المستقبل، إلا أن العديد من هذه التوصيات لا يتم تنفيذها بالكامل، إما بسبب بطء الاستجابة من الجهات المعنية أو بسبب تعارض المصالح الاقتصادية مع التدابير المقترحة.
من جهته، أكد وزير النقل شون دافي أن الحكومة تدرك مدى خطورة هذه الحوادث، وأن سلامة الركاب تبقى أولوية قصوى، مشددًا على أن الوكالة المسؤولة عن تنظيم النقل الجوي ستعمل على تعزيز إجراءات الأمان واتخاذ الخطوات الضرورية لتحسين النظام الجوي.
وقال دافي في مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”:
“أنا واثق تمامًا من أننا نسير في الاتجاه الصحيح. نضع خططًا لضمان أن يكون نظام الطيران أكثر أمانًا وكفاءة مما هو عليه اليوم.”
الخلاصة
رغم الأحداث الأخيرة التي هزت قطاع الطيران، لا يزال السفر الجوي أكثر أمانًا من وسائل النقل الأخرى، كما تؤكد الإحصائيات. إذ تشير بيانات المجلس الوطني للسلامة إلى أن احتمالات وفاة شخص في حادث سيارة تبلغ 1 من بين كل 93، بينما الوفيات على متن الطائرات نادرة لدرجة أنه لا يمكن حساب احتمالاتها بدقة.
وبينما تسعى الجهات المختصة إلى تعزيز إجراءات السلامة الجوية ومعالجة المشكلات التي تواجه نظام مراقبة الحركة الجوية، يبقى الركاب أمام حقيقة واحدة: على الرغم من بعض الحوادث المقلقة، يبقى الطيران الوسيلة الأكثر أمانًا للتنقل حول العالم.
ماري جندي




