في تقرير صادم أطلقته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تم دق ناقوس الخطر بشأن مستقبل الاقتصاد الكندي، الذي وصفته المنظمة بأنه سيكون من بين الأكثر تضررًا عالميًا بفعل موجة التباطؤ الاقتصادي المنتشرة حول العالم، والتي تتفاقم حاليًا بسبب استمرار الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة مؤخرًا. التقرير، الذي صدر في يونيو/حزيران، يرسم صورة قاتمة لمستقبل النمو الكندي، مع تحذيرات صريحة من تدهور الثقة، وتراجع الصادرات، وتصاعد الضغوط التضخمية.
أزمة عالمية تُلقي بظلالها على كندا
في ظل توقعات بتراجع النمو العالمي من 3.3% في عام 2024 إلى 2.9% خلال العام الحالي والعام المقبل، حددت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كندا، إلى جانب الولايات المتحدة والمكسيك، كأكثر الدول التي ستشهد تباطؤًا اقتصاديًا حادًا. ويُعزى ذلك في المقام الأول إلى التداعيات المستمرة للسياسات الحمائية التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خاصةً في مجال الرسوم الجمركية على الواردات.
وأشار التقرير إلى أن اقتصادات مثل الصين وبعض الدول الآسيوية الأخرى قد تواجه تعديلات طفيفة في نموها، إلا أن التأثير الأكبر سيتكبدها الاقتصاد الكندي بسبب درجة اعتماده العالية على التبادل التجاري مع الولايات المتحدة.
تباطؤ بعد بداية قوية
رغم انطلاقة واعدة للاقتصاد الكندي في أوائل عام 2025 مع تسجيل نمو قوي في الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن التوقعات الجديدة تشير إلى انعكاس حاد في الاتجاه، حيث يُتوقع أن يتراجع معدل النمو من 1.5% في عام 2024 إلى 1% في 2025، على أن يتعافى جزئيًا إلى 1.1% في عام 2026.
السبب الرئيسي لهذا التراجع هو تصاعد التوترات التجارية مع الولايات المتحدة، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على ثقة الشركات والمستهلكين على حد سواء، وأثارت حالة من عدم اليقين السياسي والاقتصادي في أوساط المستثمرين الكنديين.
الصادرات الكندية في مهب الريح
منذ فبراير 2025، بدأت آثار هذه التوترات تتجلى بوضوح، حيث شهدت الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة انخفاضًا كبيرًا في الربع الثاني من العام، ما ساهم في خفض توقعات النمو. وقد امتدت هذه الآثار السلبية لتشمل معدلات استهلاك الأسر وكذلك استثمارات الشركات، وهو ما يُنذر بتباطؤ اقتصادي شامل إذا لم يتم اتخاذ خطوات استباقية لمعالجة الوضع.
ويُشار إلى أن كندا تعتمد بشكل كبير على سوق الولايات المتحدة، التي تستوعب غالبية صادراتها، ما يجعل أي تحرك أمريكي في ملف الرسوم الجمركية ذا أثر فوري ومباشر على الاقتصاد الكندي.
التضخم وأسعار المستهلك تحت المجهر
رغم أن كندا تواجه ضغوطًا تضخمية متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الواردات الناتج عن التعريفات الجمركية، إلا أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتوقع أن تأثير هذه الزيادات سيتقلص بفعل انخفاض أسعار الغاز، لا سيما بعد إلغاء ضريبة الكربون التي كانت مفروضة على المستهلكين.
ومع ذلك، يتوقع التقرير أن التضخم الأساسي – وهو المؤشر المفضل لبنك كندا – سيشهد ارتفاعًا مؤقتًا قبل أن يعود تدريجيًا إلى مستهدف البنك البالغ 2% بحلول عام 2026. وفي مواجهة هذه المعطيات، من المرجح أن يقوم بنك كندا بخفض سعر الفائدة بمقدار 50 نقطة أساس إضافية خلال العام الجاري ليصل إلى 2.25%.
سياسة نقدية على حافة التوازن
يحذر التقرير من أن البنك المركزي الكندي سيواجه تحديًا معقدًا يتمثل في التوازن بين عاملين متضادين: من جهة، الضغط التصاعدي الذي تسببه الرسوم الجمركية على أسعار الواردات، ومن جهة أخرى، الضغط التنازلي الناتج عن تراجع الطلب المحلي. وقد أشار معدو التقرير إلى أن آثار تخفيض أسعار الفائدة بدأت تظهر تدريجيًا على أسعار الإقراض، ومن المتوقع أن يتضح تأثيرها بشكل أوسع على الاقتصاد الحقيقي مع حلول عام 2026، خاصة بعد انحسار الضبابية السياسية والتجارية.
الولايات المتحدة… حليف تجاري أم سبب الأزمة؟
أما بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، فتتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن ينمو بمعدل 1.6% في 2025 و1.5% في 2026، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الصورة الكاملة. فالرئيس ترامب كان قد فرض في منتصف مايو رسوماً جمركية مرتفعة ستظل قائمة حتى نهاية عام 2025 على الأقل، وهو ما يؤدي إلى رفع كلفة الواردات، ويقوض ثقة المستثمرين، ويؤثر سلبًا على نمو القوى العاملة، في ظل تراجع صافي الهجرة الفيدرالية.
ومن المتوقع أن يؤدي هذا الوضع إلى ارتفاع التضخم إلى 3.9% بنهاية عام 2025، قبل أن يتراجع مجددًا في 2026 مع تباطؤ النمو وارتفاع معدلات البطالة. كما حذر التقرير من أن هذه السياسات قد تشجع على التصنيع المحلي، لكنها في الوقت ذاته تضعف القدرة الشرائية للمستهلك الأمريكي وتحدّ من الاستثمارات المؤسسية.
رسوم ترامب الجديدة تضرب كندا مجددًا
استهداف كندا لم يتوقف عند هذا الحد، فقد فرضت إدارة ترامب في وقت سابق من العام الجاري رسوماً جمركية بنسبة 25% على جميع الواردات الكندية غير المشمولة باتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك، إلى جانب رسوم إضافية بنسبة 10% على واردات الطاقة.
ووصفت الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات بأنها “رد على مخاوف من الاتجار غير المشروع بمادة الفنتانيل عبر الحدود”، فضلاً عن القلق من تزايد الهجرة غير الشرعية.
وفي تصعيد جديد، أعلن ترامب الأسبوع الماضي عزمه رفع الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم إلى 50% عالميًا، على أن تدخل هذه الزيادة حيز التنفيذ اعتبارًا من الرابع من يونيو/حزيران، وهو ما يُنذر بمزيد من الأضرار لكندا التي تُعد أكبر مصدر لهذين المعدنين إلى السوق الأمريكية، وفقًا لإدارة التجارة الدولية الأمريكية.
دعوات لتنويع الاقتصاد الكندي
في مواجهة هذا الواقع المتوتر، أوصت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كندا بالعمل على تنويع أسواق التصدير لديها وتخفيف اعتمادها المفرط على السوق الأمريكية. كما شددت على ضرورة تعزيز السوق الداخلية عبر تقليص الحواجز التنظيمية بين المقاطعات، لا سيما من خلال توسيع نطاق اتفاقية التجارة الحرة الكندية.
وفي هذا السياق، أكد رئيس الوزراء مارك كارني على أهمية تبني نهج “اقتصاد واحد” لتعزيز التكامل التجاري بين المقاطعات، مما من شأنه أن يساعد في تخفيف الصدمات الخارجية القادمة من الولايات المتحدة.
وقد التقى كارني برؤساء وزراء المقاطعات في مؤتمر مشترك عُقد في مدينة ساسكاتون يوم الثاني من يونيو/حزيران، لمناقشة السبل الكفيلة بإزالة العوائق بين المقاطعات وتطوير مشاريع البنية التحتية والطاقة، إلا أن الحكومة الفيدرالية لم تلتزم حتى الآن بأي مشاريع محددة.
ماري جندي




