أعلن رئيس الوزراء مارك كارني، يوم الثلاثاء، أن وزيرة النقل والتجارة الداخلية كريستيا فريلاند ستتنحى عن مهامها في الحكومة، وأنها ستتولى في الوقت نفسه منصب المبعوثة الخاصة لكندا لشؤون أوكرانيا وإعادة إعمارها — قرار وضع نهاية لمسيرة سياسية بارزة امتدت نحو اثني عشر عامًا.
في بيان استقالتها لم تذكر فريلاند التعيين الدبلوماسي الجديد؛ اكتفت بالقول بصراحة وحنين واضحين إنها «لن تترشح للانتخابات الفيدرالية القادمة». وجاء في بيانها المختصر: «بكل امتنان وقليل من الحزن، قررتُ اليوم التنحي عن منصبي الوزاري وطي صفحة هذا الفصل من حياتي. لا أنوي الترشح للانتخابات الفيدرالية القادمة». نُشر البيان بعد أن تبين أنه كان اجتماعها الأخير في مجلس الوزراء في أوتاوا، وخارج قاعة المجلس خرجت فريلاند ورئيس الوزراء مارك كارني وذاهما يتبادلان الأذرع والابتسامة دون الإدلاء بتصريحات للصحفيين المنتظرين في الردهة.
شكر كارني فريلاند علنًا على «خدماتها الاستثنائية» التي قدمتها لكندا كعضو في الحكومة طوال العقد الماضي، مبرزًا «مرونتها وذكاءها الخام وقيادتها المبدئية». وأضاف كارني أنه طلب من كريستيا قبول منصب الممثلة الخاصة الجديدة لكندا لإعادة إعمار أوكرانيا، مع احتفاظها في الوقت نفسه بمسؤولياتها كنائبة منتخبة في البرلمان. وبرر كارني اختياره بأنها كانت سابقًا وزيرة للمالية والشؤون الخارجية والتجارة الدولية ضمن مجموعة الدول السبع، وأن لديها علاقات عميقة وفهمًا متينًا لأوكرانيا واقتصادها، ما يضعها «في موضع فريد للاضطلاع بهذا العمل الضروري في توقيت بالغ الأهمية من أجل مستقبل أفضل للأوكرانيين وسلام مستدام في أوروبا».
خلفية ومسار سياسي حافل
قبل انضمامها إلى حكومة كارني في مايو/أيار، شغلت فريلاند مناصب وزارية رفيعة المستوى في عهد رئيس الوزراء السابق جاستن ترودو، بينها منصب نائبة رئيس الوزراء، ووزارة التجارة الدولية، ووزارة الخارجية، ثم وزارة المالية. كانت فريلاند قد قدمت استقالتها بشكل دراماتيكي من حكومة ترودو في أواخر عام 2024، قبل ساعات من تقديم ميزانية فيدرالية مرتقبة، معلنة احتجاجها على سياسات ترودو الاقتصادية. بعد ذلك خاضت سباق قيادة الحزب الليبرالي لتحل محله بعد استقالة ترودو في يناير/كانون الثاني، لكنها خسرت السباق أمام مارك كارني.
دخلت فريلاند البرلمان لأول مرة بعد فوزها في انتخابات فرعية بمنطقة في تورونتو عام 2013، ومن ثم فازت في أربع انتخابات تالية، ما عزز حضورها السياسي ومكانتها كإحدى الوجوه البارزة في السياسة الكندية خلال السنوات الماضية.
روابط عميقة مع أوكرانيا ومعارضة صريحة للرئيس الروسي
تنحدر فريلاند من أصول أوكرانية وتتقن اللغة، ولها مسيرة مهنية كصحافية عملت لسنوات في موسكو قبل التحول إلى السياسة. أجرت مقابلة مع فلاديمير بوتين عام 2000، بعد فترة وجيزة من توليه السلطة، ومنذ تلك المرحلة تحولت إلى واحدة من أشد منتقديه، ووصفت سياسته بأنها استبدادية ومتسلطة وخطيرة.
بعد انتخابها عضوة في البرلمان، مُنعت فريلاند من دخول روسيا، وأُدرجت ضمن قائمة 13 كنديًا شملتهم عقوبات ردًا على العقوبات التي فرضتها كندا بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014. ومع اندلاع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في 2022، برزت فريلاند كلاعب محوري في الجهود الغربية لفرض عقوبات على موسكو. استخدمت منصاتها الوزارية مرات متعددة لإدانة بوتين واصفة إياه بـ«مجرم حرب»، وقادت حملة دولية لتجميد أصول روسية في الخارج لاستخدامها لاحقًا في تمويل إعادة إعمار أوكرانيا بعد انتهاء الحرب. طوال العقد الماضي تعرّضت فريلاند لانتقادات وسخرية متكررة من السفارة الروسية في كندا عبر منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
توترات مع واشنطن: بوتقة مفاوضات التجارة والانتقادات الرئاسية
خلال عملية إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية كانت فريلاند كبيرة المفاوضين الكنديين، وبرزت خلالها مواقف حازمة أثارت استياء الرئيس الحالي دونالد ترامب الذي قال في 2018 إن «نحن لا نحب ممثلهم كثيرًا» في إشارة إلى كندا، ومع توتر المحادثات. استمرت هجمات الرئيس الحالي ترامب على فريلاند حتى بعد استقالتها من حكومة ترودو؛ فقد قال عقب استقالتها في 2024 «لن نفتقدها»، ووصفها في لقاء مع كارني بالبيت الأبيض في مايو بأنها «شخص فظيع».
هذا التاريخ من التوترات مع واشنطن يضيف طبقة من التعقيد لدورها الجديد: فمن المرجح أن تضطر فريلاند إلى التعامل مرةً أخرى مع إدارة الرئيس الحالي ترامب في سياق جهود الدفاع عن أوكرانيا، بينما يسعى الرئيس الحالي إلى مسارات للتوصل إلى اتفاق سلام مع بوتين — ما يضع فريلاند أمام اختبار دبلوماسي وسياسي حساس بين سعيها لحشد دعم نيويوركي وأوربي لإعادة بناء أوكرانيا وضغوط معقّدة من لاعبين دوليين آخرين.
التحالف الدولي وخطط الضمانات الأمنية
تعمل كندا، إلى جانب حلفائها الأوروبيين ودول أعضاء في ما يُعرف بـ«تحالف الراغبين»، على صياغة ضمانات أمنية لأوكرانيا كجزء من أي اتفاق مستقبلي قد يهدف لمنع أي غزو روسي لاحق. في هذا الإطار اعتبر كارني وفريلاند أن دور كندا يمكن أن يكون مؤثرًا في تصميم الضمانات الاقتصادية والأمنية اللازمة لمستقبل أوكرانيا.
ردود فعل محلية: إشادة ودفع للحوار
أشاد وزير الدفاع الكندي ديفيد ماكغينتي بقرار تعيين فريلاند ووصفها بأنها «استثنائية» لدى توجهه إلى اجتماع مجلس الوزراء، ورفض المخاوف من أن تُهمشها عواصم أو قوى كبرى مثل إدارة الرئيس الحالي ترامب أو موسكو أثناء محادثات السلام أو إعادة الإعمار. وبالفرنسية قال ماكغينتي للصحفيين: «يتطلب الأمر حضورًا جادًا، وشخصًا يتمتع بالموهبة اللازمة. الأهم، برأيي، هو استمرار الحوار». وأضاف أن تعزيز العلاقات بين كندا وأوكرانيا من خلال هذا التعيين «أمر مهم للغاية»، وأن كندا «تواصل إظهار القيادة في المنطقة». وحذّر ماكغينتي من خطورة المشهد التهديدي في مسرح الحرب الأوكراني قائلاً: «الروس لا يتراجعون»، مضيفًا: «إنهم ليسوا من أكثر الدول جدارةً بالثقة. رئيسهم ليس جديرًا بالثقة في تصريحاته. لا يُمكن أخذ الكثير مما يقوله على محمل الجد، ولذلك علينا توخي الحذر».
خلاصة ـ ماذا يعني هذا التحوّل؟
تنهي كريستيا فريلاند صفحة طويلة من العمل داخل الحكومة الفدرالية الكندية وتفتتح فصلاً دبلوماسيًا جديدًا يضعها في قلب إحدى أهم قضايا السياسة الدولية المعاصرة: إعادة بناء أوكرانيا وتأمين مستقبلها. بين سجلها كوزيرة مالية وخبيرة تفاوضية وناشطة بارزة في جهود معاقبة روسيا، وبين حساسية المشهد الدبلوماسي الذي يضم واشنطن وموسكو وشركاء أوروبيين، تبدو مهمة فريلاند الجديدة معقدة وحاسمة في آنٍ واحد — وسوف تكون مرآةً لمدى قدرة كندا على الجمع بين الضغط والديبلوماسية في سعيها لدعم أوكرانيا واستعادة الاستقرار الإقليمي.
ماري جندي




