يجد الكثير من الآباء والأمهات في منطقة تورنتو الكبرى أنفسهم اليوم أمام تحديات غير مسبوقة، حيث باتت مهمة توفير احتياجات الأسرة الأساسية أقرب إلى معركة يومية، في وقت لم تعد فيه أنظمة الدعم المجتمعي قادرة على مواكبة حجم الأعباء المتزايدة.
فالأرقام التي كشفت عنها هيئة الإحصاء الكندية مؤخرًا ترسم صورة مقلقة: أكثر من مليون طفل في كندا يعيشون داخل أسر ذات والد أو ولي أمر واحد، وهو رقم في تصاعد مستمر منذ عقود، مما يسلّط الضوء على عمق الأزمة التي تواجهها هذه الفئة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة في تورنتو والمدن المحيطة بها، يتزايد القلق حول قدرة العائلات، سواء كانت ذات والد واحد أو اثنين، على الصمود في وجه الضغوط الاقتصادية.
“ضعف العمل ونصف الدعم”
منظمة One Parent، التي تتخذ من أونتاريو مقرًا لها وتعمل على دعم الآباء والأطفال في الأسر ذات الوالد الواحد، تحاول لفت الانتباه إلى حجم الأزمة. مؤسسها شعيب خان يلخص الموقف بكلمات مؤثرة قائلاً:
“غالبًا ما يُتوقع من الأسر ذات الوالد الواحد القيام بضعف العمل مقابل نصف الدعم. لقد شاهدت والدتي تبني لنا عالمًا من الصفر، وما زلت أرى ذلك يتكرر اليوم مع مئات العائلات.”
وتشير بيانات جمعتها المنظمة لصالح اليونيسف في كندا إلى واقع أكثر قسوة: 44% من الأطفال في الأسر ذات الوالد الواحد يعيشون تحت خط الفقر، مقابل 8% فقط من الأطفال الذين ينشأون في أسر ذات دخل مزدوج.
خان يعترف بأن الكثير من الأمهات العازبات يشعرن وكأنهن مجرد “إحصائية”، لكنه يصرّ على بث الأمل فيهن: “من الجيد أن تكوني أماً عزباء أو أباً أعزباً، ومن الجيد أن تربي أطفالك وحدك. لا ينبغي أن يكون هناك أي شعور بالنقص أو التبعية.”
مبادرات لمواجهة اليأس
تدير منظمة One Parent عدة مبادرات تركّز على المساعدات المالية وفرص التوظيف، إلى جانب دعم الصحة العقلية للشباب وتقديم الاستشارات المنظمة. لكن مع استمرار نصف هذه الأسر تقريبًا في مواجهة الفقر، فإن الحاجة لبرامج أكثر استدامة أصبحت ضرورة ملحة، خصوصًا في ظل تقارير هيئة الإحصاء الكندية التي تشير إلى أن ديون الأسر في البلاد بلغت مستوى مذهلاً وصل إلى 3.1 تريليون دولار.
أزمات متراكمة وضغوط متزايدة
ستيف فانديرهيربيرج، نائب رئيس برامج المجتمع في مؤسسة وودجرين التي تخدم سكان تورنتو منذ قرن تقريبًا، يرى أن الوضع وصل إلى مرحلة حرجة. ويقول:
“من حيث معدلات الأجور وأنواع الوظائف المتاحة، إضافةً إلى تكاليف السكن والغذاء، فإن الهوامش أصبحت ضيقة للغاية. الكثيرون اليوم لا يستطيعون تحقيق توازن في ميزانيتهم، والمشكلات تتراكم بلا حلول فورية.”
هذه الأزمة انعكست على الأجيال الشابة أيضًا. فبحسب خان، تزايدت أعداد المراهقين الذين يضطرون للعمل للمساهمة في دفع فواتير الأسرة، لكن هذا لا يحلّ المشكلة، بل يفاقمها، خصوصًا مع ارتفاع معدل البطالة بين الشباب في المنطقة، ما يجعل المستقبل أكثر قتامة. والأسوأ أن خان كشف عن تزايد حالات الانتحار بين الشباب بسبب اليأس من إيجاد فرص عمل.
“لقد كانت حياتي أنا نفسي غير طبيعية لأنني كنت مضطرًا للعمل منذ سن صغيرة. ما نطمح إليه اليوم هو توفير أساس مستقر للآباء والأمهات العازبين، حتى يتمكن أطفالهم من التركيز على الدراسة والأنشطة المفيدة، بدلاً من الانشغال بالعمل القسري في سن مبكرة.” هكذا يلخص خان رؤيته.
إصلاحات مطلوبة بشكل عاجل
من جهته، يعمل فانديرهيربيرج على إعادة تصميم برامج الدعم داخل مؤسسة وودجرين بما يتناسب مع الواقع الاقتصادي الجديد، مركزًا على مسارات تدريب القوى العاملة التي تواكب احتياجات سوق العمل في السنوات المقبلة. ويقول:
“إذا كان هناك مجال يشير إلى توفر وظائف خلال العقد القادم، فإننا نركز عليه لتجهيز الشباب والآباء العازبين لاقتحام هذه الأسواق.”
خان بدوره يعتمد نهجًا مشابهًا عبر التعاون مع منظمات كبرى مثل United Way وThe Neighbourhood Group، للاستفادة من شبكات الدعم المحلية وتوفير فرص عمل حقيقية.
الحاجة إلى دعم حكومي موحد
ورغم وجود جهود متضافرة من مؤسسات المجتمع المدني، فإن فانديرهيربيرج يعتقد أن النجاح الحقيقي لن يتحقق دون تدخل مباشر من الحكومتين الفيدرالية والمقاطعات. ويضيف:
“لقد عقدنا عددًا لا يُحصى من الاجتماعات مع السياسيين مؤخرًا. لكن المطلوب اليوم هو تمويل ثابت وبرامج مستدامة، وليس مجرد وعود.”
وبرأيه، فإن الهدف النهائي لا يقتصر على تحسين برامج الدعم، بل يتجاوز ذلك إلى خلق بيئة تقل فيها الحاجة إلى الاعتماد على هذه الخدمات أساسًا، وهو أمر لن يتحقق من دون إشراك أصحاب العمل بشكل جدي. ويختتم قائلاً:
“أنا لست ساذجًا. أعلم أن الأمر صعب للغاية، لكن لا بد من إقناع أرباب العمل بأنهم جزء أساسي من الحل، وأن نجاح الناس في مواجهة أزمات المعيشة يجب أن يكون مسؤولية مشتركة.”
ماري جندي




