في ظل تصاعد التحديات الاقتصادية والتجارية على الساحة الكندية، يكشف تقرير حديث عن رغبة ملحة لدى قطاع واسع من رجال الأعمال بضرورة قيام الحكومة الفيدرالية بإزالة الحواجز التنظيمية والتجارية بين المقاطعات الكندية، باعتبارها خطوة أساسية لتعزيز الإنتاجية الوطنية وتحفيز النمو الاقتصادي.
فقد أظهرت نتائج استطلاع للرأي أجرته شركة KPMG، وشمل عيّنة من 250 من قادة الأعمال من مختلف أنحاء كندا، أن نحو 64% من المشاركين يرون أن الأولوية القصوى للحكومة في المرحلة الراهنة ينبغي أن تكون تقليص الحواجز التي تعرقل التجارة الداخلية بين المقاطعات، وتوحيد الأنظمة واللوائح التنظيمية التي تختلف من مقاطعة لأخرى.
تأثير مباشر على الكفاءة والإنتاجية
ووفقًا للاستطلاع، فإن 82% من قادة الأعمال يعتقدون أن إزالة هذه الحواجز ستؤدي مباشرة إلى تحسين كفاءة شركاتهم وإنتاجيتها. وهو ما يعكس قلقًا حقيقيًا من أن التشتت التنظيمي داخل الاتحاد الكندي لا يُشكل فقط عائقًا بيروقراطيًا، بل أصبح عاملاً يحد من القدرة التنافسية للمؤسسات المحلية في سوق متقلبة بالفعل.
أُجري هذا الاستطلاع في الفترة ما بين 9 إلى 20 مايو/أيار، وجاء في توقيت حساس يشهد استمرار الضبابية حول مستقبل العلاقات التجارية مع الولايات المتحدة، الشريك التجاري الأكبر لكندا.
إصلاح النظام الضريبي وتسريع البنية التحتية
كما لفت الاستطلاع إلى أن قادة الأعمال لا يرون في إزالة الحواجز التجارية أولوية معزولة، بل جزءاً من حزمة إصلاحات أوسع تحتاجها البلاد بشدة. فقد صنف المشاركون مراجعة النظام الضريبي الكندي كأحد أهم الخطوات العاجلة لتحسين القدرة التنافسية، حيث أيّد هذه الخطوة 58% منهم.
في الوقت نفسه، أشار 56% من المشاركين إلى أن الحكومة ينبغي أن تركز أيضًا على تبسيط الإجراءات وتسريع إنجاز مشروعات البنية التحتية الكبرى وتخصيص الموارد بطريقة أكثر فاعلية، وهو ما يعكس رغبة شاملة لدى الشركات في بيئة أعمال أكثر مرونة وسرعة في الاستجابة.
الاستعداد للركود.. وتحول في الاستراتيجيات
وفي مؤشر لافت على حالة القلق المتزايدة في أوساط الأعمال، كشف التقرير أن 76% من الشركات تتخذ بالفعل إجراءات احترازية تحسبًا لاحتمال دخول الاقتصاد الكندي في حالة ركود. ويرتبط ذلك بشكل مباشر بحالة عدم اليقين التجاري الناتجة عن التوترات مع الولايات المتحدة، لاسيما مع فرض الأخيرة ثلاث مجموعات من الرسوم الجمركية على المنتجات الكندية، بعضها رافقه إعفاءات مؤقتة بموجب اتفاقات التجارة الحرة.
ورغم الرد الكندي الذي تضمّن فرض رسوم مماثلة وتقديم إعفاءات وتخفيضات لبعض القطاعات، فإن المناخ العام لا يزال مضطربًا. ولذلك، باتت الشركات الكندية تتبنى استراتيجيات تنويع السوق كخيار استراتيجي طويل الأمد.
نظرة جديدة للأسواق الخارجية
أبرز الاستطلاع أن 68% من الشركات باتت تستثمر في التوسع نحو أسواق جديدة من خلال بناء علاقات تجارية وتسويقية، وهو ما يشير إلى تحوّل بنيوي في تفكير قطاع الأعمال الكندي. والأهم، أن 90% من المشاركين أكدوا أنهم سيواصلون تنويع استثماراتهم نحو أسواق خارجية، حتى لو تم حلّ التوتر التجاري الحالي مع واشنطن.
وتعليقًا على هذه النقطة، قالت مونيكا مانزا، الشريك الإداري في KPMG كندا، إن هذا التحول يعكس بحث الشركات عن قدر أكبر من اليقين التجاري والاستقرار في بيئة باتت مليئة بالتقلبات.
وأضافت: “تغيير استراتيجيات البيع لا يحدث بين ليلة وضحاها، والعديد من الشركات تجد صعوبة في رسم خطط طويلة الأجل في ظل هذا الغموض المستمر. لهذا، فهي تعتمد على الحكومة لتوفير مناخ مستقر يساعدها على اتخاذ قرارات استثمارية ذكية ومستدامة”.
أثر مباشر على الاستثمارات والتوظيف
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن حالة التوتر التجاري لم تترك أثرها فقط على استراتيجيات السوق، بل امتدت لتؤثر على مستويات الاستثمار والتوظيف داخل الشركات.
فقد كشف 54% من قادة الأعمال أنهم قاموا بالفعل بتخفيض استثماراتهم في مجالات حيوية مثل البحث والتطوير أو الإنفاق الرأسمالي خلال الأشهر الماضية. وأعرب 57% عن نيتهم الاستمرار في خفض هذه النفقات خلال الفترة القادمة.
كما خفّضت 58% من الشركات توقعاتها بشأن حجم المبيعات خلال الـ12 شهرًا المقبلة، في حين أقدمت 52% على رفع أسعارها للعملاء، وأشارت 63% إلى أنها تخطط لزيادة الأسعار في المستقبل القريب، ما يضع عبئًا إضافيًا على المستهلكين.
فيما يخص التوظيف، أفادت 38% من الشركات بأنها سرّحت جزءًا من موظفيها بالفعل، وفرضت 49% منها تجميدًا على التوظيف. بينما قالت 46% إنها تدرس خيارات مشابهة، سواء عبر تقليص عدد الموظفين أو وقف التوظيف الجديد أو كلاهما.
الرهان على “اشترِ كندا”
وسط هذه التحولات، عبّر غالبية المشاركين عن دعمهم القوي لحملة “اشترِ كندا”، وهي مبادرة تشجّع على استهلاك المنتجات المحلية وتعزيز الاقتصاد الوطني. فقد اعتبرها 77% من قادة الأعمال مفيدة لمبيعاتهم، بينما قال 84% إنهم يأملون في استمرار هذه الحملة لفترة طويلة، لأنها تُسهم في تعويض حالة عدم الاستقرار التجاري مع الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، قالت مانزا: “الشركات الكندية تريد استغلال الحس القومي المتزايد لدى المستهلكين لتعزيز حصتها السوقية داخل كندا. لكن ذلك لن يكون ممكنًا دون إرادة حقيقية من الحكومات المحلية والفيدرالية لإزالة الحواجز المصطنعة التي تعيق حركة السلع والخدمات بين المقاطعات”.
خلاصة: الحاجة إلى قيادة جريئة
في خضم هذه التحديات المعقدة، توجّه الشركات الكندية رسالة واضحة للحكومة: نحن بحاجة إلى قيادة جريئة وسياسات حاسمة الآن، وليس لاحقًا.
ففي ظل اقتصاد عالمي متقلّب، وأزمة ثقة تتعمّق في الشريك التجاري الأكبر، لم تعد الشركات قادرة على الانتظار. وإذا كانت الحكومة تطمح إلى الحفاظ على تنافسية الاقتصاد الكندي، فإن إزالة الحواجز الداخلية، وإصلاح الضرائب، وتوفير بيئة مستقرة للاستثمار، باتت أمورًا لا تقبل التأجيل.
ماري جندي




