رغم أن تركيز إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA) لا يزال منصبًا بشكل كبير على عصابات المخدرات المكسيكية في تقاريرها الأمنية، إلا أن كندا بدأت تشق طريقها إلى بؤرة الاهتمام الأمريكي، لا سيما مع تصاعد المخاوف بشأن ظهور مختبرات صناعية متطورة وضخمة تُنتج الفنتانيل بكميات هائلة، ما دفع الوكالة لإدراج كندا ضمن قائمة مصادر التهديد المحتملة للأمن القومي الأمريكي فيما يتعلق بأزمة المخدرات.
ففي تقييمها الوطني لتهديدات المخدرات لعام 2025، الصادر في 13 مايو، قدّمت إدارة مكافحة المخدرات الأميركية نظرة معمّقة على المشهد الإقليمي والدولي لتجارة المخدرات غير المشروعة، مسلطةً الضوء على أدوار الكارتلات المكسيكية في تهريب المخدرات الاصطناعية نحو الولايات المتحدة، لكنها لم تغفل هذه المرة التهديد المتنامي شمالًا، في كندا، حيث بدأت أنظار الأجهزة الأمنية تتجه نحو منشآت متطورة لإنتاج الفنتانيل.
الفنتانيل: قاتل صامت قادم من الشمال؟
في قسم خاص من التقرير، ركزت الوكالة على الفنتانيل، وهو مادة أفيونية صناعية بالغة القوة، ارتبطت بعشرات الآلاف من حالات الوفاة الناتجة عن الجرعات الزائدة في كل من الولايات المتحدة وكندا. ووفقًا للتقييم، فإن الكارتلات المكسيكية لا تزال اللاعب الأبرز في تهريب هذا السم القاتل، مستفيدةً من سهولة تصنيع المخدرات الاصطناعية وسلاسل توريد المواد الأولية القادمة أساسًا من الصين والهند. لكن الأمر لم يعد يقتصر على الجنوب.
تقول إدارة مكافحة المخدرات إن المنظمات الإجرامية العابرة للحدود طورت شبكات تهريب معقدة وقوية، وهو ما سمح بمرور كميات ضخمة من المخدرات، بما في ذلك الفنتانيل، إلى الأراضي الأمريكية. وفي هذا السياق، أُدرجت كندا كمصدر جديد للفنتانيل المصنع محليًا، بالإضافة إلى كونها محطة عبور رئيسية للمواد الكيميائية المستخدمة في إنتاجه.
وفي لهجة غير معتادة، أبدت الوكالة قلقًا متزايدًا بشأن ما وصفته بـ”المختبرات العملاقة” التي ظهرت في كندا خلال السنوات الأخيرة، والتي باتت تضاهي في تطورها وحجمها مثيلاتها في أمريكا اللاتينية.
ضبطية ضخمة تُشعل القلق: 95 مليون جرعة في مختبر واحد
عزز التقرير استنتاجاته بإشارة إلى عملية ضبط ضخمة أجرتها الشرطة الملكية الكندية (RCMP) في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وصفتها السلطات بأنها “أكبر وأعقد عملية مداهمة لمختبر مخدرات في تاريخ البلاد”. العملية أسفرت عن مصادرة كميات من الفنتانيل والمواد الأولية تكفي لإنتاج ما يقرب من 95 مليون جرعة، وهي كمية مذهلة تضع كندا في مصاف الدول المُصنِّعة الأساسية لهذا المخدر شديد الفتك.
ولم تتوقف الضبطية عند الفنتانيل وحده، بل شملت 35 كيلوغرامًا من الكوكايين، و390 كيلوغرامًا من الميثامفيتامين، إضافة إلى ترسانة من الأسلحة النارية بلغ عددها 89 قطعة، ما يعكس الطابع العنيف والمنظم لهذه الشبكات.
أرقام توضح الفجوة.. لكن النوايا مقلقة
رغم هذا التصاعد في النشاط داخل الأراضي الكندية، أشار تقرير إدارة مكافحة المخدرات إلى أن كميات الفنتانيل المُهرّبة فعليًا من كندا نحو الولايات المتحدة لا تزال أقل بكثير من تلك التي تدخل من الحدود الجنوبية عبر المكسيك. فعلى سبيل المثال، بلغ مجموع ما تم ضبطه من الفنتانيل القادم من كندا في عام 2024 حوالي 22.7 كيلوغرامًا، مقابل 9,354 كيلوغرامًا ضُبطت على الحدود مع المكسيك.
لكن الخطر، كما تشير الوكالة، لا يكمن فقط في الكميات الحالية، بل في القدرة الكامنة لهذه المختبرات على سد أي نقص في الإمدادات قد ينجم عن تعثر شبكات التهريب المكسيكية، ما يُنذر بإمكانية تحوّل كندا إلى بديل استراتيجي في سوق الفنتانيل.
رسائل متضاربة من الداخل الكندي
في الداخل الكندي، أظهرت وثائق رسمية نوعًا من التباين في تقييم حجم وخطورة هذه الظاهرة. ففي مذكرة إحاطة أعدتها وزارة الشؤون العالمية الكندية لنائب وزير الخارجية في يونيو/حزيران 2024، تم الإقرار بأن عمليات الضبط في الولايات المتحدة وأستراليا تدل على أن “الإنتاج المحلي في كندا ربما تجاوز الطلب الداخلي”، مشيرةً إلى تحول كندا إلى “بلد مصدر وعبور” للفنتانيل نحو أسواق خارجية.
غير أن مذكرة أخرى صادرة عن وزارة السلامة العامة في أكتوبر من نفس العام بدت أكثر تحفظًا، حيث أفادت بعدم وجود أدلة قاطعة من الأجهزة الأمنية الكندية أو الأمريكية تُثبت أن الفنتانيل الكندي يمثل تهديدًا متناميًا للولايات المتحدة.
التحايل عبر إعادة الشحن
ومن بين الأساليب التي كشفتها الوكالة الأمريكية لتهريب المواد الكيميائية الأولية إلى كندا، هو استخدام طرود تحمل بيانات مُضللة، لتجنب كشف مصدر الشحنة الأصلي. ثم يُعاد تصدير هذه المواد إلى المكسيك من خلال شركات شحن أو إعادة شحن، غالبًا دون علم المرسل الأول. وتعد هذه الطريقة إحدى الحيل المتبعة لتجاوز الرقابة الجمركية وتضليل أجهزة التفتيش.
توتر تجاري تحت راية المخدرات: ترامب يفرض الرسوم
تحول ملف الفنتانيل الكندي إلى نقطة احتكاك دبلوماسي وتجاري حادة بين واشنطن وأوتاوا، خصوصًا بعد فوز دونالد ترامب بولاية رئاسية ثانية في نوفمبر 2024. فبعد أسابيع من توليه المنصب، أعلن فرض تعريفات جمركية شاملة على كل من كندا والمكسيك، مُرجعًا قراره إلى “مخاوف تتعلق بأمن الحدود وتهريب المخدرات”.
ورغم أن كندا ردّت بإطلاق خطة شاملة لأمن الحدود، تشمل استثمارات ضخمة بقيمة 1.3 مليار دولار، إلى جانب تصنيف الكارتلات المكسيكية كمنظمات إرهابية، إلا أن إدارة ترامب مضت قدمًا في فرض التعريفات، التي تم تعديلها لاحقًا لتشمل استثناءات خاصة بالسلع الخاضعة لاتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA).
وفي محاولة لتقليل حجم الأزمة، أكدت أوتاوا أن ما تم ضبطه من فنتانيل على الحدود الأمريكية الشمالية لا يُقارن بما يُضبط على الحدود الجنوبية. فقد بلغت الكمية المضبوطة على الحدود مع كندا حوالي 43 رطلًا فقط خلال السنة المالية 2024، في مقابل أكثر من 21,000 رطل من المكسيك. ومع ذلك، تُظهر بيانات أخرى من إدارة الجمارك وحماية الحدود أن المصادرات الجوية والبحرية على الحدود الشمالية كانت أعلى بكثير، وبلغت 1,405 أرطال، مقابل 389 فقط على الحدود الجنوبية، مما يعكس تعقيد المشهد وتعدد مصادر البيانات.
رؤية جديدة لكندا في عهد كارني؟
وعلى الرغم من هذه التناقضات، لم تُقلل الحكومة الكندية من شأن خطر الفنتانيل. ففي زيارته الرسمية إلى البيت الأبيض في 6 مايو/أيار 2025، وصف رئيس الوزراء مارك كارني الرئيس ترامب بأنه “رئيس تحويلي”، مشيدًا بـ”تركيزه الصارم على تأمين الحدود، وإنهاء آفة الفنتانيل، ودعم العامل الأمريكي”.
وأشار كارني إلى أن انتخابه يعبّر عن رغبة شعبية في “إعادة بناء كندا”، مع التركيز على الاقتصاد والأمن القومي، بما في ذلك مواجهة التحديات المرتبطة بتجارة المخدرات العابرة للحدود، في إشارة واضحة إلى أن أوتاوا قد تنتهج في المرحلة المقبلة سياسة أكثر صرامة وتعاونًا مع واشنطن في هذا الملف الشائك.
ماري جندي




