أكدت وزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند يوم الاثنين أنّ الحكومة الفيدرالية لن تتوانى عن بذل كل ما في وسعها للدفاع عن شمال البلاد، مشددة على أنّ التغيرات المتسارعة في النظام العالمي خلال السنوات الأخيرة انعكست بشكل مباشر على سيادة كندا في القطب الشمالي.
وجاءت تصريحات أناند خلال زيارتها إلى هلسنكي عاصمة فنلندا، حيث التقت بنظرائها من دول الشمال الأوروبي لبحث ملف الأمن في القطب الشمالي، وهو ملف اكتسب أهمية متزايدة منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. وأوضحت أناند أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) كان يركّز قبل ذلك التاريخ على تعزيز دفاعاته على طول الجناح الشرقي لأوروبا، إلا أن التطورات الأخيرة دفعت الحلف لإعادة توجيه اهتمامه إلى القطب الشمالي والمجال الغربي.
وقالت الوزيرة في اتصال هاتفي مع الصحفيين من فنلندا:
“يتعين على حلف شمال الأطلسي أن يوجّه أنظاره ليس فقط إلى الشرق، بل أيضًا إلى الغرب والشمال، وذلك نتيجة المشهد الجيوسياسي المتغير، خاصة بعد الرابع والعشرين من فبراير 2022”.
وأضافت موضحة أنّ النشاط الروسي المتزايد في المنطقة، بما في ذلك في الممر الشمالي الغربي ونقل البنية التحتية العسكرية الروسية إلى مناطق أبعد داخل الدائرة القطبية الشمالية، يفرض على كندا أن تجعل من حماية سيادتها في الشمال أولوية قصوى. وأكدت:
“أولويتنا في السياسة الخارجية الكندية تجاه القطب الشمالي هي أن نبذل كل جهد ممكن لحماية سيادة بلادنا والدفاع عنها”.
تزامن دولي في الملفات: من القطب الشمالي إلى حرب أوكرانيا
تأتي تحركات أناند في وقت يشهد العالم اجتماعات حاسمة حول الحرب الدائرة في أوكرانيا. ففي اليوم نفسه، اجتمع القادة الأوروبيون والأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض لمناقشة سبل وضع حد للنزاع المستمر.
ويعود أصل هذا الصراع إلى أكثر من عقد من الزمن، حينما قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم عام 2014، قبل أن تطلق حربًا شاملة على الأراضي الأوكرانية في 2022. وبينما شارك رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الأسبوع الماضي في محادثات افتراضية مع زيلينسكي وعدد من القادة الأوروبيين تحضيرًا لقمة ترامب مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإنه لم يشارك في محادثات يوم الاثنين في البيت الأبيض، ولم تكشف أناند ما إذا كان قد تلقى دعوة لذلك.
وشددت الوزيرة على أنّ موقف كندا ثابت ولم يتغير، قائلة:
“القرارات المتعلقة بمستقبل أوكرانيا تخص الأوكرانيين وحدهم. هذا موقف كندا ولا لبس فيه”.
بين الاقتصاد والأمن: رؤية كندية جديدة
وأوضحت أناند أن كندا تعمل على تعزيز علاقاتها مع دول الشمال الأوروبي ليس فقط من الناحية الأمنية، بل أيضًا عبر توثيق الشراكات الاقتصادية. وأشارت إلى أن الجمع بين الاقتصاد والأمن أصبح أمرًا حتميًا في ظل الترابط الوثيق بين حماية السيادة الوطنية وضمان استقرار الاقتصاد.
وقالت إن التفكير السابق الذي كان يفصل المشاريع الاقتصادية عن تلك المتعلقة بالدفاع والأمن لم يعد مناسبًا اليوم، مؤكدة:
“الأمن الاقتصادي لكندا مرتبط بشكل وثيق بسيادتنا الشاملة، وبقدرتنا على حماية وطننا والدفاع عنه”.
ترامب، زيلينسكي، وبوتين: مشهد معقد ومواقف متباينة
وفي واشنطن، استمرت المحادثات بين القادة، حيث ناقش الرئيس ترامب إمكانية تبادل أراضٍ بين المناطق التي تحتلها روسيا والأراضي الأوكرانية كجزء من أي تسوية محتملة. إلا أن هذا الطرح قوبل بتحفظات شديدة من جانب العديد من القادة الدوليين الذين حذروا من أنّ هذه الخطوة ستقوّض وحدة الحدود الأوكرانية، وتفتح الباب أمام بوتين لمواصلة محاولاته لزعزعة استقرار أوروبا.
أما زيلينسكي، فقد طالب بضمانات أمنية حقيقية تتضمن التزامات واضحة من الدول الكبرى باستخدام القوة العسكرية إذا أقدمت روسيا على شن هجمات جديدة بعد أي اتفاق سلام محتمل. كما برزت دعوات من بعض الأطراف لانضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، وهو أمر لطالما اعتبره بوتين تهديدًا مباشرًا لأمن بلاده.
وعن موقف كندا من هذه القضية، أكدت أناند أنّ قرار الانضمام إلى أي تحالف أو منظمة هو شأن يخص أوكرانيا وحدها، وأن كندا ستدعم حق كييف في اختيار مسارها السياسي والعسكري.
أجندة فنلندا: لقاءات ومناقشات استراتيجية
ومن المقرر أن تلتقي أناند يوم الثلاثاء الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب بعد عودته من البيت الأبيض إلى هلسنكي. وتشمل أجندة المباحثات كيفية إقناع الدول الأخرى بأن احترام القانون الدولي هو أمر أساسي، ليس فقط لتحقيق السلام في أوكرانيا، بل أيضًا للحفاظ على استقرار النظام العالمي برمته.
وأكدت أناند أنّ دورها يتمثل في “ضمان أن يكون نظراؤها في مختلف أنحاء العالم على دراية بموقف كندا، وبناء الجسور اللازمة لكي تعي تلك الدول أن النظام الدولي القائم على القواعد، والسلامة الإقليمية، والقانون الدولي ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل مؤسسات أساسية يجب حمايتها وصونها”.
كما أوضحت أن المحادثات ستتطرق إلى العلاقة الوثيقة بين المعادن الحيوية، التي تُعد أساسًا في الصناعات الحديثة والتكنولوجيا، وبين الأمن القومي، في إشارة إلى أن كندا ترى أن السيطرة على الموارد الطبيعية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من استراتيجياتها الأمنية.
ماري جندي




